الشيخ محمد هادي معرفة

483

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

وناهيك بكتاب سيبويه « 1 » الذي هو الكتاب ، يُطلق فلا تضلّه الألباب ، وهو الديوان الأقدم ، والميزان الأقوم ، والقانون الذي هو لكلّ محتذٍ مثال ، والمعقل الذي لكلّ منضوٍ تمثال ، وكأنّه الرأس الذي هو رئيس الأعضاء ، والراز « 2 » الذي بيده مِطمَر « 3 » البنّاء ، والإمام الذي إن نزلت بك شُبهة أنزلتها به ، وإن وقعت بك مُعضلة أوردتها على بابه ، والحكمة التي قيدت بها الفلاسفة فهي حاجلة « 4 » فَراسِفه . « 5 » حشا غامضات سيبويه كتابه * وأحرِ بأن تعتاص تلك وتشتدّا إذا وقع الأحبار فيها تحيّروا * فلم يجدوا من مرجع القهقرى بدّا آخران : ألا صلّى المليك صلاة صِدقٍ * على عمرو بن عثمان بن قنبر فإنَّ كتابه لم يَغنَ عنهُ * بنو قلمٍ ولا أبناء منبر ثمّ لا تسأل عن تناسق هذه اللغة وتتاليها ، وعن تجاذب أطرافها وتجاليها ، وما ينادي عليه طرق اشتقاقها من حسن تلاؤمها واتّفاقها ، يصادف المشتقّ الصيغ متناصره ، آخذا بعضها بيد بعض متخاصره ، ووراء ذلك من الغرائب ما لا ينزف وإن نزف البحر ، ومن الدقائق مالايدقّ معه الكهانة والسحر ، ولا يعرف ذلك إلّا من فقه فيها وطبّ ، « 6 » وزاولها مذ شبّ إلى أن دبّ ، وضرب آباطها ، « 7 » حتى بلغ نياطها . « 8 »

--> ( 1 ) - هو عمرو بن‌عثمان بن‌قنبر ، مولى بنيالحارث ، يكنّى أبا بشر وأباالحسن ، الملقّب ب - « سيبويه » ومعناه بالفارسية : رائحة التفّاح ، ولد في إحدى قرى شيراز ، وقدم البصرة فلزم الخليل بن‌أحمد ففاقه ، وصنّف كتابه المعروف ب - « كتاب سيبويه » في النحو ، لم يُصنع قبله ولا بعده مثله ، توفي سنة 180 . وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف . انظر : إنباء الرواة ، ج 2 ، ص 346 ، رقم 515 ؛ ووفيات الأعيان ، ج 3 ، ص 463 ، رقم 504 ؛ وتاريخ بغداد ، ج 12 ، ص 195 ، رقم 6658 ؛ والأعلام ، ج 5 ، ص 252 . ( 2 ) - الرازُ : رأس البنّائين . ( 3 ) - المِطمَرُ : الزيج الذي يكون مع البنّائين . ( 4 ) - الحَجْل والحِجْل : القيد ، يفتح ويكسر ، والحَجْل : مشي المقيَّد ، وحجَل يَحجُلُ حجلًا : إذا مشى في القيد . ( 5 ) - الرَّسْفُ : مشي المقيّد ، ورسف في القيد : مشى مشي المقيّد ، وقيل : هو المشي في القيد رويدا ، فهو راسف . ( 6 ) - رجل طَبٌّ - بالفتح - أي : عالم . ( 7 ) - من المجاز قولهم : نزل بإبط الرمل ، وهو مسقطه ، وبإبط الجبل ، وهو سفحه ، وضرب آباط المفازة ، وتقول : ضرب آباط الأمور ومغابنها واستشفّ ضمائرها وبواطنها . ( 8 ) - النَوط : عِرق غليظ علّق به القلب من الوتين ، قال أبو طالب في رسول اللّه صلى الله عليه وآله : بُنيّ أخي ونوط القلب منّي * وأبيضُ ماؤه غَدقٌ كثير ومن المجاز : مفازة بعيدة النياط أي : الحدّ والمتعلّق ، ولا يخفى ما في المتن من تعبير مجازي .